الإرهاب في الثقافة العربية
الأربعاء 20 سبتمبر-أيلول 2017 الساعة 06 مساءً / المركز اليمني للإعلام - الحرة
عدد القراءات (643)

إذا كان الإرهاب بعد مضي 16 عاماً على اعتداءات الحادي عشر من أيلول، لا يزال الهم الأمني الأول عالمياً، فإن المجموعة الدولية تستمر بافتقاد التوافق حول ماهيته. وقد حاولت أكثر من جهة حكومية ودولية ضبط المصطلح وتفاصيله، دون أن تتوحد الجهود. أما في المتداول الثقافي العربي، فإن التصادم الرئيسي يبقى بين إرهاب المنظمات، الذي تدينه الكثرة وتعذره القلة، وإرهاب الدول حيث تقترب الإدانة من الإجماع. فتنظيم القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، بل كذلك حزب الله وحركة حماس، مدانة على أنها تمارس إرهاب منظمات، في حين أن الولايات المتحدة خاصة، وإسرائيل طبعاً، متهمتان بأنهما تمارسان إرهاب دولة. وتأتي تعقيدات الأزمة الخليجية لتزيد الموضوع إبهاماً من خلال الاتهامات المتبادلة حول دعم الإرهاب وتمويله. ثمة حاجة ماسة في الثقافة العربية للتوافق على ماهية الإرهاب، لتجنب المطاطية في سوق الاتهامات، وسعياً لتحقيق وضوح فكري وأخلاقي في حوار حول القضية مع سائر الأسرة الدولية. إذ لا يخلو التصوير الحالي للإرهاب من الإعذار الضمني لإرهاب المنظمات، بل من الجنوح لدى البعض إلى إرفاق الإدانة بكم من التقدير للنية في مواجهة الجبروت والعدوان والاحتلال، وإن صدح الاعتراض على الأسلوب. ولاختزال الجدل العالمي في هذا الشأن، يمكن القول إن تعريف الإرهاب يخضع لمقياسين متضادين، الأول مبني على قراءة تريد أن تكون متوازنة للاعتبارات التاريخية والقانونية والأخلاقية، والآخر قائم على الطعن بعالمية هذه الاعتبارات وإدراجها في خانة التغلّب وتبريره. فالمقياس الأول ينطلق من مفهوم "الحرب العادلة"، الذي يثمّن الحياة الإنسانية، فيلزم الدول، وهي وحدها المخوّلة شن الحروب عند استنفاد غيرها من الوسائل، بأن يكون استعمالها للقوة والعنف مقتصراً على الحد الأدنى الذي من شأنه تحقيق المرام، مع واجب تجنيب غير المحاربين الضرر قدر الإمكان. والإرهاب وفق هذا المقياس هو أي لجوء إلى العنف خارج إطار مبادئ "الحرب العادلة"، وهو متحصّل حكماً في حال كانت الجهة التي تقدم على العنف غير خاضعة للمساءلة الدولية (مثل التنظيمات الجهادية المختلفة). وإذا أصبحت مبادئ "الحرب العادلة" جزءاً من العقيدة العسكرية في الولايات المتحدة وسائر الدول الغربية، فإن تطبيقها، سواءً في الماضي بشكل علني أو في الحاضر بشكل أقل وضوحاً، لا يرتقي إلى درجة الالتزام الكامل. وبعض أسباب هذا التقصير عرضية، فمنها افتقاد الأسلحة الموجهة الدقيقة، فمع تحصيل هذه يتحسن الأداء، ومنها الأخطاء البشرية، ولن يخلو الأمر منها وإن كان التدريب والتوجيه وسيلة للتخفيف من وطأتها، ومنها الضعف في العمل الاستخباراتي ما يؤدي إلى إساءة الاستهداف، وهذا أيضاً جانب يمكن تحسينه. إلا أن ثمة أسبابا جوهرية للتقصير كذلك، أولها الحاجة إلى حماية القوة المقاتلة، إذ لا يمكن التفريط بحياة الجنود الذين يخوضون المواجهة، ما يرغم القيادات على خوض حسابات صعبة للموازنة بين مقدار الضرر الذي تتسبب به عملياتهم لغير المحاربين وحجم الضرر الذي يطال جنودهم نتيجة هذه العمليات. وما يعقّد هذه الحسابات هو أن العدو قد لا يكون ملتزماً بمبادئ الحرب العادلة (والمنظمات الجهادية غير ملتزمة صراحة)، بل قد يعمد إلى تجيير التزام الطرف الآخر بها لصالحه. فحين أقدمت حركة حماس أو حزب الله على تخزين السلاح في المرفقات العامة، فإنهما قد تعمدتا تحدي إسرائيل التي تعتمد "الحرب العادلة" في عقيدتها العسكرية، على الاختيار بين التخلي عن حاجتها إلى تدمير هذا السلاح وبين التسبب بالضرر والموت لغير المحاربين. ومهما كان جهد الموازنة الذي أقدمت عليه إسرائيل (دون إبراء ذمتها من أخطاء كان يمكن تجنبها أو قرارات لم تكن صائبة في أكثر من حادثة)، فإن ثمة ضررا يطال غير المحاربين، واستثمار هذا الضرر الذي كان بوسع حماس أو حزب الله تجنيبه لمجتمعاتها أساساً، يحدث تلقائياً لتشديد خطاب المقاومة في وجه "الإرهاب الإسرائيلي". وهذا الاستثمار هو أساس المقياس المضاد في تعريف الإرهاب. فوفق هذا المقياس، الدول الغربية ليست صادقة في اعتمادها مفهوم "الحرب العادلة"، بل الغرض من هذا المفهوم وضع شروط مواجهة تستفيد هي منها، ومنع غيرها من التحرك تحت طائلة الاتهام بالإرهاب. فهذه الدول تقتل المدنيين بأعداد تفوق ما تقتله الجهات الموسومة بالإرهابية، ولكنها بحجة أنها لم تتعمد القتل تبرئ نفسها من تهمة الإرهاب، بل إذا كان معيار الإرهاب عدد الضحايا، فمن الواضح أن الغرب هو الإرهابي الأول. طبعاً، هذا المنطق لا يستقيم، ذلك أن المواجهة ليست متوازية ابتداءً. وعدم التوازي هنا ليس في اختلاف موازين القوى، بل في العلاقة بين كل من الطرفين المحاربين وجمهوره من المدنيين. فكل من إسرائيل وحماس حفرت الأنفاق أو ما يشبهها في مناطق سيطرتها، الأولى لتوفير الملاجئ لمواطنيها وتجنيبهم الأذى، والأخرى لخزن السلاح وتسهيل العمليات العسكرية من خلال التترس بالمدنيين وتحدي إسرائيل على إنزال الأذى بهم. ففي مسلسل المواجهات المتوالية على مدى الأعوام، حين جهدت حماس لقتل المدنيين الإسرائيليين وفشلت، فإنها لا تستحق الثناء لفشلها. وحين تسببت إسرائيل في قتل المدنيين الفلسطينيين في إطار عملياتها العسكرية، فإنها لا تعذر بل تستحق النقد والتوبيخ، ولكن مع التشديد على أن قاتل هؤلاء المدنيين هي حماس بقدر ما هي إسرائيل. كل روح ثمينة وكل حياة لا تعوض، والقتل جريمة ومأساة، ولكن الوقائع تحتاج إلى توصيف ثابت. فالإرهاب لا يقاس بأعداد القتلى من الأبرياء بل بمقدار السعي إلى القتل والترويع. ويمكن اختبار المسؤوليات ومقدار الضلوع في الإرهاب من خلال سؤال افتراضي: ما كانت حصيلة الموت لتكون لو أن ميزان القوى كان معاكساً؟ لنفترض مثلاً أنه كان لحزب الله في حرب تموز 2006 من القوة الضاربة ما يوازي ما كان بيد إسرائيل، فما كان عدد الضحايا من المدنيين الإسرائيليين ليكون؟ الجواب الواضح هو أن الأمر كان ارتقى إلى حد المجزرة، إذ بعد أن اجتهد هذا الحزب بإرسال صواريخه نحو المناطق السكنية في إسرائيل سعياً للقدر الأكبر من الموت والضرر، اعتذر أمينه العام لتسببه بقتل بعض الإسرائيليين العرب. أي أن المدني اليهودي هدف مشروع وقتله جزء من العقيدة القتالية للحزب. وكذلك الحال مع تنظيم القاعدة وسائر التنظيمات الجهادية. فاعتداءات الحادي عشر من أيلول قد تعمدت قتل المدنيين، وما اقتصار العدد على ثلاثة آلاف إلا نتيجة لقصور الإمكانيات. بل أن التنظيمات الجهادية قد تدرجت في عقيدتها في مسألة قتل غير المقاتلين بدءاً من إنكار عصمة النفس البشرية، وصولاً إلى إباحة قتل المدنيين بحجج المماثلة والتترس والبيات. والأذى هو طبعاً في الطعن والدهس والقتل الذي يطال الأبرياء حيث تمتد أيادي الإرهاب الجهادي، وهو كذلك في تبرير هذا الإجرام أو على الأقل التخفيف من وطأته عبر إسقاط التهمة بالإرهاب على القصور والتقصير في التزام أطراف أخرى معايير الحرب العادلة. والغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة، مطالب بالمزيد من التحسين في الالتزام بمبادئ الحرب العادلة، وقياداته السياسية في بعض الأحيان مطالبة بالاطلاع على هذه المبادئ بما ينسجم مع رسوخها في العقيدة العسكرية. أما الثقافة العربية فمطالبة بالإقرار بأن الإرهاب ليس صفة مشتركة للجميع، وأنه يتعدى القتل، وبأن توخي الأعذار للفعل الإرهابي تحت أي اسم ولأية حجة هو بمثابة تبديد للرصيد المعنوي والأخلاقي للقضايا التي تناصرها هذه الثقافة.


تعليقات:
    قيامك بالتسجيل وحجز اسم مستعار لك سيمكنكم من التالي:
  • الاحتفاظ بشخصيتكم الاعتبارية أو الحقيقية.
  • منع الآخرين من انتحال شخصيتك في داخل الموقع
  • إمكانية إضافة تعليقات طويلة تصل إلى 1,600 حرف
  • إضافة صورتك الشخصية أو التعبيرية
  • إضافة توقيعك الخاص على جميع مشاركاتك
  • العديد من الخصائص والتفضيلات
للتسجيل وحجز الاسم
إضغط هنا
للدخول إلى حسابك
إضغط هنا
الإخوة / متصفحي موقع المركز اليمني للإعلام نحيطكم علماُ ان
  • اي تعليق يحتوي تجريح او إساءة إلى شخص او يدعو إلى الطائفية لن يتم نشره
  • أي تعليق يتجاوز 800 حرف سوف لن يتم إعتماده
  • يجب أن تكتب تعليقك خلال أقل من 60 دقيقة من الآن، مالم فلن يتم إعتماده.
اضف تعليقك
اسمك (مطلوب)
عنوان التعليق
المدينة
بريدك الإلكتروني
اضف تعليقك (مطلوب) الأحرف المتاحة: 800
التعليقات المنشورة في الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر عن رأي الموقع   
اكثر خبر قراءة ثقافة
بين يدي ثورة الـ٢٦ من سبتمبرللمفكر محمد عبدالسلام منصور
مواضيع مرتبطة
اختتام فعاليات أيام الفيلم اليمني في عمّان
اليونسكو تدرج مدينة الخليل في لائحة التراث العالمي المهدد
إسرائيل تدرس "العامية المصرية" في جامعاتها
مصري يصمم "أكبر مصحف في العالم"
العلم يتفق مع الكتب السماوية.. الحياة نشأت من الطين